وفقا لما أفادته وکالة أنباء أهل البيت(ع) الدولية - ابنا - حسب تقرير نشرته وكالة أنباء "تسنيم"، يشير تحليل للتبعات الاقتصادية لفرض حصار على مضيق هرمز إلى أنه - ورغم أن هذا الحدث لم يدفع الاقتصاد الأمريكي إلى حالة الركود بعد - إلا أنه شكّل ضغوطاً كبيرة على الأسر والحكومة والأسواق المالية في البلاد، وذلك من خلال رفع أسعار الطاقة ومعدلات التضخم وأسعار الفائدة وتكاليف التمويل. وفي المقابل، شهدت سوق الأسهم الأمريكية اتجاهاً صعودياً عقب انتهاء الأعمال العدائية، مدعومةً بتوقعات إيجابية بشأن المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة.
تمثلت أبرز تداعيات هذا الحدث على الاقتصاد الأمريكي في ارتفاع أسعار النفط والمنتجات النفطية وانتقال أثر هذه الصدمة إلى مؤشرات التضخم؛ وهو تطور لم يكتفِ بتقويض القوة الشرائية للأسر الأمريكية فحسب، بل أدى أيضاً إلى زيادة تكاليف الاقتراض لكل من الحكومة والقطاع الخاص. ومع ذلك، تشير البيانات الاقتصادية إلى أن الاقتصاد الأمريكي -خلافاً لبعض التوقعات- لم يدخل في حالة ركود بعد، وأن الاقتصاد الحقيقي لا يزال يُظهر مرونةً لافتة.
سجل التضخم في الولايات المتحدة أعلى مستوى له منذ عام 2023
ووفقاً للتقرير، أدت الصدمة الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة إلى صعود معدل تضخم أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة -الذي كان يبلغ نحو 2.4% قبل الأزمة- ليصل إلى حوالي 4.2% في غضون ثلاثة أشهر. وبالإضافة إلى ذلك، ارتفع مؤشر تضخم نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) من 2.9% إلى 4.1%، مسجلاً بذلك أعلى مستوى له منذ ربيع عام 2023.
على الرغم من أن جزءاً كبيراً من هذه الزيادة يُعزى إلى ارتفاع أسعار الطاقة، إلا أن آثار ذلك قد امتدت تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية أخرى؛ ونتيجةً لذلك، توقف التضخم الأساسي عن مساره التنازلي وبدأ في الارتفاع مجدداً. ويكتسي هذا الأمر أهمية خاصة بالنسبة لصنّاع السياسة النقدية، إذ يشير إلى أن الضغوط التضخمية لا تقتصر على سوق الطاقة فحسب.
ارتفاع حاد في تضخم أسعار المنتجين وتوقعات التضخم
تشير الدراسة أيضاً إلى أن تكاليف الإنتاج في الولايات المتحدة قد ارتفعت بوتيرة أسرع من أسعار بيع السلع؛ إذ بلغ معدل تضخم أسعار المنتجين 6.5% في شهر مايو -وهو أعلى مستوى له منذ نحو ثلاث سنوات ونصف- مسجلاً بذلك زيادة كبيرة مقارنة بمستوى 3.9% المسجل قبل اندلاع الحرب. ويرى الباحثون أن هذا الاتجاه قد يؤدي إلى مزيد من الارتفاع في أسعار السلع والخدمات الاستهلاكية خلال الأشهر المقبلة.
وفي الوقت نفسه، شهدت مؤشرات توقعات التضخم أيضاً ارتفاعاً ملحوظاً؛ فوفقاً لبيانات جامعة ميشيغان، ارتفعت توقعات التضخم للأمد القصير (لمدة عام واحد) من 3.4% إلى 4.8%، مسجلةً بذلك أعلى مستوى لها منذ شهر أغسطس من العام الماضي. ورغم أن هذه التوقعات قد تراجعت نوعاً ما عقب الإعلان عن وقف إطلاق النار، إلا أنها لا تزال عند مستويات مرتفعة.
الاحتياطي الفيدرالي: الطاقة هي المحرك الرئيسي للضغوط التضخمية
يشير تقرير يستند إلى تقييمات رسمية صادرة عن الاحتياطي الفيدرالي إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة قد حُدِّد -في جميع التقارير المنشورة تقريباً منذ بداية الأزمة- باعتباره المصدر الأبرز للضغوط التضخمية.
وفقاً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، أدت تكاليف الوقود المتزايدة إلى رفع النفقات في قطاعات النقل، والبتروكيماويات، والأسمدة الكيماوية، والتعبئة والتغليف، والصناعات الغذائية؛ ففي العديد من القطاعات، تجاوزت وتيرة ارتفاع تكاليف المدخلات معدل الزيادة في أسعار البيع، وهو اتجاه فرض ضغوطاً على هوامش أرباح الشركات.
وعلاوة على ذلك، حذر بعض أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة التابعة للاحتياطي الفيدرالي من أنه في حال استمرار الاضطرابات في سوق الطاقة، فإن احتمالية انتقال التضخم إلى قطاعات اقتصادية أخرى ستزداد، مما يجعل السيطرة عليه أكثر صعوبة.
لم يدخل الاقتصاد الأمريكي في حالة ركود بعد
فعلى الرغم من ارتفاع معدلات التضخم، يؤكد التقرير أن البيانات المتعلقة بالإنتاج الصناعي، ومؤشر مديري المشتريات (PMI)، ونشاط الأعمال لا تظهر حتى الآن أي مؤشرات على ركود واسع النطاق؛ إذ عاد مؤشر الإنتاج الصناعي إلى مسار النمو بعد التراجع الأولي الذي شهدته بدايات الصراع، كما ظلت مؤشرات بيئة الأعمال أعلى من مستوى الحد الفاصل للركود.
تحمّل المستهلكون الأمريكيون العبء الأكبر من الضغوط الاقتصادية؛ فخلال الحرب، هوى مؤشر جامعة ميشيغان لثقة المستهلك وتوقعاته إلى أدنى مستوى له منذ عقد على الأقل، ولم يشهد سوى تعافٍ جزئي بعد ورود أنباء عن انتهاء الصراع.
انتعاش سوق الأسهم عقب وقف إطلاق النار مع بقاء أسعار الفائدة مرتفعة
يكشف تحليل للأسواق المالية الأمريكية أن مؤشرات الأسهم شهدت تراجعاً ملحوظاً خلال الأسابيع الأولى للصراع، مدفوعةً بتصاعد المخاطر الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة؛ غير أنه عقب الإعلان عن وقف إطلاق النار وما تلاه من أنباء حول مفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، توقف هذا الاتجاه النزولي وعادت المؤشرات الرئيسية إلى مسار الصعود.
في المقابل، لا يزال سوق الديون الأمريكية يرزح تحت الضغوط؛ إذ يشير التقرير إلى أن ارتفاع معدلات التضخم وتوقعات التضخم قد أدى إلى صعود عوائد سندات الخزانة وأسعار الفائدة. وعلى عكس سوق الأسهم، لم تشهد أسعار الفائدة انخفاضاً ملموساً حتى بعد انحسار التوترات، ومن المتوقع أن يستمر هذا الوضع لمدة عام مقبل على الأقل. وتتمثل أبرز تداعيات هذه البيئة في ارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومي، وتراجع الاستثمار، وزيادة تكاليف التمويل بالنسبة للأسر.
على خلاف التوقعات الأولية، لم تؤدِ الصدمة الناجمة عن إغلاق مضيق هرمز إلى ركود اقتصادي في الولايات المتحدة، بل تمثلت في تضخم مستمر، وارتفاع في أسعار الفائدة، وزيادة في تكاليف التمويل؛ وهي متغيرات قد تؤثر سلباً على النمو الاقتصادي والاستثمار في الولايات المتحدة على المدى المتوسط.
باختصار، تجدر الإشارة إلى أن تزايد توقعات التضخم لم يقتصر أثره على ارتفاع الأسعار فحسب، بل أدى أيضاً إلى زيادة تكاليف الاقتراض نتيجة انخفاض قيمة سندات الدين الحكومية الأمريكية. ونتيجة لذلك، تواجه الحكومة الأمريكية تكاليف أعلى لتمويل عجز الميزانية، في حين يتعين على القطاع الخاص تحمل أسعار فائدة مرتفعة للحصول على القروض وتنفيذ المشاريع الاستثمارية. ويرى معدّو التقرير أن استمرار هذه الظروف قد يؤثر سلباً - بعد فترة زمنية - على الإنتاج والاستثمار والنمو الاقتصادي في الولايات المتحدة.
..........................
انتهی/
تعليقك